بعد صدور مجموعته القصصية الاولى ( نزهة في شوارع مهجورة) عام 1974. كشف القاص احمد خلف عن موهبته مبكرا . اذ رسمت معالم القاص ليس فقط في كتابته للقصة حسب ، انما في تجريبه المتواصل وتفرده بنحت اسلوبه الخاص متجاوزا ما كان سائدا من اساليب .فخاض غمار القصة عبر محاولات متعددة في التجريب الذي ظل يبحث فيه عن وجه جديد للقصة مطلقا رؤاه المسايرة للحداثة مع ان البعض من مجايليه اغرق قصصه بالغرابة والغموض واحاطها بسور من الضبابية وعدم وضوح الرؤية متهامشا مع الحداثة يخشى الدخول فيها .. ويعد القاص احمد خلف من الستينيين المغامرين ومن الذين امتلكوا مشغلا متفردا بانت ملامحه في التجريبات اللاحقة لمجموعته الاولى ومتجاوزا المفهوم الشائع للواقع ورموزه . فهو يكتب عن رؤى بوعي اخر وعن هموم مغلفة بتجديد لم تعهده القصة وصناعة شخصيات خاصة نتلمس محنتها ومعاناتها المتشابكة مع بعضها ، فتبدو للوهلة الاولى انه لايمكن تحريكها او الدخول في عوالمها القلقة .. بعد تلك الرحلة الطويلة تأتي رواية ( موت الاب ) .. فما الذي اراد القاص احمد خلف قوله فيها ؟ واذا ما تناسينا قول بورخس ( كل الاشياء قيلت ولم يعد هناك مايقال ) . فأن احمد خلف قال اشياءً كثيرة في روايته واجمالا فأنه من جيل القصاصين الواعين لكتاباتهم ويمتلك حرفية خاصة للاشتغال في حيز ليس بالسهولة ان يكون حيزا مكانيا مرئيا ، انما يتمدد ليكون مساحة اشتغال واسعة . فوعي القاص من خلال تجريبياته ودوام مشغله القصصي ، اوصلاه الى خطاب خاص . فهو يشتغل في نصه على اعتبار الشخوص اهم العناصر ولكن اية شخصيات هي ؟ انها في هرم النص وتقوم باخراج الحدث من معناه الحرفي المجرد الى معناه الاوسع المندرس احيانا تحت هشاشة الواقع المضطرب .. و(موت الاب ) ميثلوجيا عائلية تتأسطر فيها قيم مسلوخة ومنهارة يمثلها رأس العائلة الذي لايهمه ماسيبقى لاولاده من بعده سوى مكره وبطولاته ونزواته وسيره التي لاتسر .. فهي رواية كل المفاهيم تحت تاثير قيم التسلط التي فرضها الاب وبموته ماتت تلك القيم وانهار هيكل البيت الواهي اصلا .. فهو تجاوز الخطوط الحمر في حياته فأثر على ارثه المتمثل بابنه يوسف ( الراوي ) الذي لم يشبع من العاب الطفولة ويعترف بان طفولته غير بريئة وان ( ابي ماكر ) .. واسماعيل الابن الاكبر المفقود الذي توارى ولم يعد يعرف عنه شيئا ، غادر عندما قال لابيه سافعل مايرضيك لانه اتهمه بالخيانة : ( حين فتحت عيني في صباح اليوم التالي ، وجدت فراش اسماعيل خاليا . رحل دون دراية من احد . غادرنا فجرا ولم يترك خبرا حتى ان امي اوشكت ان تموت من البكاء ، كانت لاتعرف الى اين مضى ومتى يعود لانه ما من احد يستطيع ان يخبرها في أي الاماكن يعيش الان ، ما من احد منا يعلم اين غدت وجهته واين وجهته واين يستقر وكيف سيعيش . اما انا فقد بكيت بمرارة افقدتني طعم النوم ، كنت دائما ، في الليل حين لااراه ممدا على مقربة مني في فراشه الذي ما عاد يفترشه احد .. ) الرواية ص 61 وزوجته التي ضيعها بزواجه من بنت صغيرة : ( في ذلك الوقت الذي فاجانا ابي بامراة تصغره عشرين عاما ، وقد غاب عنا ثلاثة ايام على التوالي ، جاء بها والقاها بيننا ، وسمعنا صوته يهدر بتوتر وتهديد واضحين : هذه زوجتي الجديدة ، ولااريد ان يسئ اليها احد . ويعلم الجميع اني لم اشخ بعد . مازلت قويا . ) الرواية ص 207 وشقيقه نوح الذي قتله بحجر : ( .. عندئذالقى ابي بجسده الضخم على عمي ودفعه نحو الارض ، عاد ونهض ثانية ليتلقى ضربة شديدة الوقع من ابى ، تهالك عمي ولم تعد قدماه تعينانه على الصمود لحظة اخرى ، حين سقط على قفاه ركض ابي ناحية حجر كبير ورفعه نحو الاعلى ، كان عمي ينظر اليه وطيف ابتسامة نادرة تعلو محياه ، لعله ما كان يصدق ان ابي سوف يفعلها ويلقي عليه الحجر ، قبل ان يحاول النهوض من وقعته ، جاءت ضربة الحجر الكبير على صدره ، نزف عمي في الحال واحدى ذراعيه ممدودة نحو الاعلى ، اظنه كان يشير علينا الا نتركه ، صاح بي ابي هيا ، لقد لقنته درسا ، صحت : لقد مات . التفت نصف التفاتة نحو اخيه . كان عمي لايبدي حراكا ، عض ابي على شفته وامسك بذراعي وهرول بي لما رأى الطائر الكبير مرة اخرى يحوم في الفضاء المهجور من حولنا ، صاح بي : هيا يانذير الشؤم . هيا لنهرب .. ) الرواية ص 261 هذا تراث الاب الصارم المحب لنفسه لا يهمه سوى اشباع غرائزها ولو كانت على حساب بيته وعائلته .. ثمة اعتبارات عديدة تحدد مسار الرواية يجئ بعضها مكملا لفكرة النص وبعضها يكون موضحا لها بطريقة او باخرى .. ربما تاتي الروايةعلى حساب التشابك الذي قد يحصل في السرد فنكون امام لغة تحدد بعض تلك الاعتبارات منذ اول وهلة .. فثمة حكايات وفصول واحداث متداخلة ومتفرعة على ان الاخر مشارك مهم في استقراء رموز الرواية واكتشاف مايخبأه النص بين ثناياه وان كان متداخلا متشعبا .. فتكون اللغة اداة مهمة لكشف الحقائق الفنية للرواية مهما بلغت من التشعب والتفرع . وليس الادب عموما في نهاية المطاف سوى استغلال بعض خصائص لغة ما حسب بول فاليري . وهكذا ترسم اللغة مخططا اجماليا لسير النص منذ بدايته .. رغم ان البعض لايعول كثيرا على اللغة باعتبارها اداة طبيعية لا تحتاج الى اهتمام خاص .. واعتمادا على المبدأ الحداثوي للرواية الذي ينحاز كثيرا الى التجريب في صياغة الحدث وبناء الشخصيات ، فأن الحكاية تحاول ان تخرج من اطارها وتتصاعد وتحلق بعيدا وتعيد صياغة نفسها اكثر من مرة وبوعي مختلف تماما عن الحكاية الاصل فيحدث انقلاب في الزمن ويتناسخ المكان من نفسه . وقد نكشف بان الشخصيات لا تكرر نفسها بل تتعدد انماط الوعي لديها وتمتلك شعورا غير تقليديا وبزمن غير محدد وبنص متوالد مكثف ملئ بالصور فيستبصر القارئ قلقا وارتباكا وربما لم يستطع جمع فواصل السرد المقطع وتكون اللغة هنا اداة الانقاذ الوحيدة التي توصل الى ادراك وفهم مقاصد القاص المتحولة شيئا فشيئا .. القاص احمد خلف في ( موت الاب ) يستدرج القارئ الى مسالك متغيرة ومتعددة ، فثمة تحولات تحدث في السرد وابتعاد عن مكان الحدث وعن الحدث نفسه . والاستدراج هنا يقع في منطقة مضيئة تماما ليس فيها غموض ، فالرواية المقسمة الى ثلاثة كتب يمكن ان توهمنا بان الكتاب الثاني بعيد عن المتن الحكائي الرئيسي لولا وجود اشارات مهمة تربطه بالحدث .. لقد كان فعل الاب قاسيا في مجمله ، وباعتقادنا فان الانفعال المتراكم لديه اتخذ مسالك منحرفة ، فعواطفه المتجلدة وعدم شعوره بالمسؤولية تجاه الاخرين ورغبته الشديدة في ايذائهم والسعي لاشباع الرغبات دون تفكير بالنتائج ، جعله مسيطرا احمقا لا يكترث باي شئ سوى ماياتي به لنفسه ، انسان يرى في ايذاء الاخرين سرورا ومتعة له وعليه تحقيق كل شئ يرغب به دون استشارة ا حد ما . فهو خلق جوا محتقنا داخل البيت الذي صار هشيما بعد التحولات التي عصفت به .. طلاق الزوجة والزواج باخرى صغيرة السن وطرده لابنهالاكبر اسماعيل وقتل نوح شقيقه .. في حين ان يوسف ( الراوي ) يرى غير ذلك في ابيه ، فهو يقول كل شئ عنه لكنه يخفي اعجابا في داخله له / يتكرر اسم يوسف في اكثر من عمل لاحمد خلف /.. فاعجاب يوسف بابيه دون ذكر ذلك صراحة انما جاء من طريقة سرده للحكاية بشئ من الفخر او بشئ يقترب منه ويبقيه حيا في ذاكرته ويرفض فعل الموت الحقيقي .. ان الاب الذي مات وترك مصير عائلته مهلهلا انما ينم عن فعل ذاتي خال من الشعور لما ستؤول اليه الامور ، انه رمز للتسلط والتفرد وحب النفس المطلق .. وامر طبيعي ان نرى خاتمة فعل الاب تشريد وضياع الابن اسماعيل وخسارة الزوجة ام يوسف وخسارة العائلة برمتها .. باعتقادي ان القاص احمد خلف لا يريد الاشتغال بروايته على تسلطية الاب انما اراده ان يكون مدخلا لاحداث رئيسية اخرى ترتبط بعضها بالاب نفسه وترتبط الاخرى بمحيط العائلة .. فكان اشتغال النص على مساحة واسعة من السرد التفصيلي قسم الى ثلاثة مقاطع طويلة اسماها كتبا فكان الكتاب الاول مدخلا بلسان الصحفي صديق يوسف ، وكان تمهيدا ذكيا قبل الدخول الى عالم النص : يقول ادغار الن بو ( ان البداية الناجحة هي التي تحدد مسار النص ) . فاشتغل على مساحة معلومة – مقطع من عائلة – ورسم رؤاه بسرد طويل مقسم الى ثلاثة فصول واستهل الرواية بزيارة الصحفي / المكلف بكتاية الرواية / الى دار يوسف الابن الاصغر الذي صار فيما بعد راويا للاحداث ، فجاءت الثيمة متحددة بخطاب روائي انطلق من مجموعة اسئلة وجهها الصحفي الى الابن الذي كان تواقا لسرد القصة بتفاصيلها باعتباره جزء من الحدث ، فدخلت الرواية حيز الاستذكار والتداعي مسجلة زمنا ماضيا ( زمن الحكاية ) وربط القاص بتوليفة ذكية ، الاستحضار الجاري ضمن الخطاب السردي الاني – زيارة الصحفي وسرد القصة – مسجلة زمنا حاضرا ( زمن القص ) . مما ابعد قضية التشابك والتعقيد التي قد تحدث في مثل هذه المسالك .. فموت الاب شكل فعلا رمزيا عند الراوي – الابن الاصغر – واكده بايراد عبارات بدلالات تقترب من كون الموت الحاصل ، موتا بعيدا عن الانتهاء والفناء . واسرد قصصا عن كل افراد العائلة الاربعة – الاب ، الام ، اسماعيل الولد الاكبر ، يوسف الابن الاصغر( الراوي ) . فكان يتوقف عند كل واحد من المجموعة توقفا دالا على معرفة تامة بالحدث وايراد كل شئ عنه فجاءت الرواية وكأنها حكايات كان الرابط بينها الاب . فتحركت الاحداث وفق معايير نقطة الجذب / الاب / التي صنعها القاص بتركيبة خاصة تكاد تبدو مالوفة للوهلة الاولى ، الا ان المتلقي سيجد ان بناء تلك الشخصية كان مركبا وصعبا ويبدو ان القاص احمد خلف اراد من شخصية الاب ان تكون محور احداثه منذ البداية ، فاعطاه وصفا وافعالا تنم عن مستوى من الاحتراف والمكر لا يقدر ان يجاريه احد .. وتأويلا يمكن ان نقول كل شئ عن تلك الشخصية المركبة . وبقراءة اخرى للرواية نجد تنبؤا واضحا لما آلت اليه الاحداث فمنذ عبورنا خطوط الوقائع الواردة ، بانت كل الملامح الجريئة لاحداث ستقع لاحقا بعد كتابة الرواية وكانت استشعارا عن بعد لاشياء قد تكون مخبأة سيحين زمنها لاحقا دون شك .. فوضعنا امام تفاصيل اعتمدت على عناصر حبكة فيها رؤية جديدة للحدث ومصاغة بجمل وتعابير عبرت عن وعي القاص احمد خلف الذي قال ذات مرة : ( ان الصعوبة التي سيلاقيها دارس القصة العراقية ليس في تاريخها الممتد بعيدا في الحقب الزمنية بل في تعدد الاساليب والرؤى والتطور في استغلال مفردات متعددة في الحكاية والاسطورة وكيفية التعامل مع اللغة والافكار والمضامين ) .وهذا مايؤكد حقيقة رواية ( موت الاب ) التي اتكأت كثيرا على الخبرة واللغة الحية المحركة للسرد ..
الخميس, 07 سبتمبر, 2006
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية



